ابن كثير
166
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 77 إلى 78 ] فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ( 77 ) قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ( 78 ) يقول تعالى مخبرا عنهما إنهما انطلقا بعد المرتين الأوليين حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ روى ابن جرير عن ابن سيرين أنها الأيلة ، وفي الحديث « حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما » « 1 » أي بخلاء اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ إسناد الإرداة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة ، فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل ، والانقضاض هو السقوط . وقوله : فَأَقامَهُ أي فرده إلى حالة الاستقامة ، وقد تقدم في الحديث أنه رده بيديه ودعمه حتى رد ميله ، وهذا خارق ، فعند ذلك قال موسى له لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً أي لأجل أنهم لم يضيفونا ، كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجانا قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ أي لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها ، فلا تصاحبني فهو فراق بيني وبينك سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ أي بتفسير ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً . [ سورة الكهف ( 18 ) : آية 79 ] أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ( 79 ) هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى عليه السلام ، وما كان أنكر ظاهره ، وقد أظهر اللّه الخضر عليه السلام على حكمة باطنة ، فقال : إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صالحة أي جيدة غَصْباً فأردت أن أعيبها لأرده عنها لعيبها ، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها ، وقد قيل إنهم أيتام ، وروى ابن جريج عن وهب بن سليمان ، عن شعيب الجبائي أن اسم الملك هدد بن بدد « 2 » ، وقد تقدم أيضا في رواية البخاري ، وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة ، واللّه أعلم . [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 80 إلى 81 ] وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ( 80 ) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ( 81 ) قد تقدم أن هذا الغلام كان اسمه جيسور . وفي هذا الحديث عن ابن عباس عن أبي بن كعب ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم قال : « الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا » رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق عن سعيد عن ابن عباس به ، ولهذا قال : فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً أي يحملهما حبه على متابعته على الكفر ، قال قتادة : قد فرح به أبواه حين ولد ، وحزنا عليه حين قتل ، ولو بقي لكان فيه هلاكهما ، فليرض امرؤ بقضاء اللّه ، فإن
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 119 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 8 / 265 .